عبد القاهر الجرجاني

11

درج الدرر في تفسير القرآن العظيم

ورغم أنّ مصادر ترجمة ابن ماكولا ذكرت « أنّه كان نحويّا مجوّدا وشاعرا مبرّزا » « 1 » لكنّي لم أقف في مصادر ترجمته على تاليف في التفسير ، فلم تذكر أنّه كان له تفسير أو حتى تفسير سورة واحدة . كما أنّه ممّا يظهر من هذا التفسير والأحاديث الواردة فيها أنّ صاحب التفسير هذا لم تكن لديه اهتمامات المحدّثين في ضبط الأحاديث وأسانيدها والحكم عليها ، بل نجده يستشهد بأحاديث ضيعفة جدّا بل موضوعة ، وكذلك يهتمّ بالإسرائيليات والتاريخ ، مما يدفع كون مؤلّف الكتاب هو من أهل الحديث كما هو معروف عن ابن ماكولا ، ودقته واحترافه لهذا الفنّ ، وبخاصّة أنّه ألّف كتابا في نقد الرجال وتاريخهم وهو كتاب « الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب » . وخلاصة القول : إنّ كتاب « درج الدرر في تفسير القرآن العظيم » وحسب ما ترجح لديّ ، واللّه أعلم ، أنّ الكتاب ليس لعبد القاهر الجرجاني ، بل هو لغيره ، ولم أستطع نسبته لغيره ، إذ لم توجد علامات دالّة على ذلك ، فهو ، في رأيي المتواضع ، منسوب له ، ويبقى كذلك حتى يتبيّن لي أو لأحد غيري مؤلّف الكتاب . المطلب الثاني أهمية الكتاب إنّ تفسير « درج الدرر » وبالرغم من أنّه مختصر ، إلا أنّه يعدّ من التفاسير القيّمة ، فهو ليس من المختصرات المخلّة ، ولا من المطولات المملّة ، فهو ذو فائدة للقارئ العاديّ غير المختصّ ، كما أنّه ذو فائدة عالية للقارئ المختصّ في آن واحد . وقد حوى الكتاب على كثير من النقولات عن علماء سابقين من أعلام التفسير والحديث واللغة والنحو وغيرها من العلوم ، فهو بذلك جمع بين التفسير بالمأثور بهذه النقولات ، وبين التفسير بالرأي بما كان يبدي من رأي في كثير من المسائل التي فيها اختلاف ، سواء في المعاني أو الإعراب أو غيرها . وهذه النقولات تدلّ بشكل لا ريب فيه على غزارة علم المؤلف ، وسعة اطّلاعه ، كما أنّها تعطي صورة واضحة عن المرحلة التي عاش فيها المؤلّف ، وهي مرحلة مهمّة من مراحل سير التأليف في ذلك الوقت ، ومنها كتب تفسير القرآن الكريم ، إذ انصرف اهتمام العلماء في تلك المرحلة إلى جمع أقوال العلماء المتقدّمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وتدوين آرائهم ، فيناقشون أراءهم وأقوالهم ، ويردّون على أصحابها ، ويرجّحون بعضها على بعض . ونلاحظ هذا في كتاب « درج الدرر » ، فنجده ينقل الأقوال من غير ترجيح ، وقد يرجّح بينها ، وقد يردّها جميعا ، وأحيانا يأت برأي مغاير لهم .

--> ( 1 ) سير أعلام النبلاء 18 / 575 ، وطبقات الحفاظ 443 .